المدونة

مفاهيم هامة في البحث العلمي

المدارس الفكرية في علم النفس

2019-02-11 الكاتب : مدحت جمال مشاهدات : 305 مره

المدارس الفكرية في علم النفس

 

لقد كان موضوع علم النفس محور اهتمام كثير من كبار المفكرين منذ آلاف السنين، ويعتبر علم النفس علم قديم نشأ مع نشأت الإنسان، وتطور الفلسفات القديمة، فقد اهتم فلاسفة اليونان وعلماء المسلمين بعلم النفس، ونتناول في هذا المقال علم النفس من حيث النشأة، و بعض من المدارس الفكرية في علم النفس.

نشأة علم النفس

          اشتقت كلمة علم النفس "psychology" من كلمتين يونانيتين Psyche وتعني الروح أو النفس، وكلمة Logos وتعني العلم، ومنذ حوالي أربعة قرون مضت، ترجم الفلاسفة العقليون كلمة النفس بالعقل، وحددوا علم النفس منذ ذلك الوقت على أنه علم دراسة العقل، ويتميز علم النفس اليوم بالتغير السريع خاصة مع استخدم الأجهزة القياسية والأدوات العديدة والوسائل التكنولوجية الحديثة مثل الحاسب الآلي وغيره.

          وتعود أفكارنا عن محاولة فهم الحياة العقلية للإنسان إلي فلاسفة الإغريق القدامى مثل أفلاطون، وأرسطو، منذ القرن الرابع قبل الميلاد، فقد اعتقد أفلاطون وهو صاحب أول محاولة لتحليل النشاط العقلي، في الفصل بين الجسم والعقل، وأن بعض أفكار الإنسان فطرية أكثر منها مكتسبة من الخبرة، أما أرسطو صاحب كتاب "النفس" فقد تحدث عن العقل كدالة أو وظيفة لعمليات الجسم والخبرة، فيرى أرسطو أن أعضاء الحس هي التي تنشط العقل وتمده بالأفكار وتنشط أيضا الذاكرة والعمليات العقلية الأخرى.

المدارس الفكرية في علم النفس

          لقد ارتبط تطور علم النفس بظهور مدارس فكرية مختلفة لكل منها تصوراتها ومفاهيمها، وتوجد العديد من المدارس التي ظهرت في علم النفس والتي تختلف فيما بينها سواء في الفلسفة التي تقوم عليها كل منها، أو نظرتها للطبيعة الإنسانية أو النظريات التي تؤمن بها، مع انه لم تحظ أي من هذه المدارس بالقبول التام من قبل السيكولوجيين، ولكن لكل واحدة دورها الهام في تفسير السلوك وفهم الظاهرة الإنسانية، ولعل أشهر تلك المدارس المدرسة البنيوية، والوظيفية، والجشتالت، والتحليل النفسي، والمعرفية، وأخيرا المدارس الإنسانية، ونذكر أهم خصائص تلك المدارس فيما يلي:

أولا:المدرسة البنيوية

تعتبر المدرسة البنيوية أولى المدارس الفكرية في علم النفس، والتي تعود إلي رائد علم النفس الألماني "ولهلم فونت"، ويطلق عليها البعض بالمدرسة البنائية التي تهتم بالخبرة، وقد كان الاهتمام الأول لهذه المدرسة هو دراسة الخبرة الشعورية، حيث كان فونت يحاول تحليل وبناء الخبرة الشعورية، ويكون ذلك عن طريق تحديد العناصر المكونة لها، وقام بتحليل ووصف مكونات الخبرة الشعورية من حيث المبادئ، والمكونات من الإحساسات، والتصورات، والمشاعر، واعتمدت المدرسة البنيوية على منهج الاستبطان التحليلي في تحليل الخبرة الشعورية، وهو عبارة عن نوع من التأمل الذاتي أو ملاحظة الذات، أو ملاحظة الفرد لخبراته الشخصية الشعورية، واهتم البنائيون في بحث الخيرة الشعورية للعقل الإنساني عند الراشدين فقط، أما اهتمامهم بالأطفال أو الحيوانات كان نادرا.  

أسس المدرسة البنيوية

  1. يجب أن يدرس علماء النفس الشعور الإنساني وبخاصة الخبرات الشعورية الحسية، بما فيها من مشاعر وأحاسيس وانطباعات وصور.

2.يجب أن يحلل علماء النفس العمليات العقلية إلي عناصرها الأولية واكتشاف روابطها، وتحديد موضع الأبنية المرتبطة بها في الجهاز العصبي.

3.يجب أن يعتمد علماءالنفس على دراسات الاستبطان عند تحليل الخبرات الشعورية عن طريق التجارب المعملية.

قصور المدرسة البنيوية

1.إن طريقة الاستبطان غير واضحة المعالم وغير محددة.

2.استبعاد الظواهر النفسية المعقدة مثل التفكير واللغة والروح المعنوية موضوعات غير صالحة للاستبطان، وبالتالي استبعدت من مجال دراسات علم النفس.

3.لم يهتم رواد هذه المدرسة بمعالجة الجوانب التطبيقية للعمليات العقلية.

ثانيا: المدرسة الوظيفية

          وتعود هذه المدرسة إلي اثنين من كبار العلماء والرواد وهما عالم النفس الأمريكي وليم جيمس والفيلسوف الكبير جون ديوي منذ بداية القرن العشرين. كان تفكير المدرسة الوظيفية في أن الشعور يجب أن يدرس من وجهة نظر كيفية ارتباط عمليات الشعور بالتوافق في الحياة، فعندما نتعلم مهارة جديدة نكون في البداية واعيين تماما لأنشطتنا ومشاعرنا، ولكن عندما تتولد عادة التعلم تنقص هذه المشاعر والأحاسيس، وقد كان تركيز المدرسة الوظيفية على وظيفة الشعور أكثر من الاهتمام بالشعور ومكوناته، ومن هنا جاء الاهتمام بالتوافق كوظيفة للشعور في مجال الحياة، وبذلك فقد اتسع ميدان علم النفس عندهم ليؤكد التوافق بجانب الخبرة الشخصية.  

          وقد كان اهتمام المدرسة الوظيفية أولا وقبل كل شيء بوظيفة الشعور وليس محتواه كما كان متبعا عند أصحاب البنيوية ومن هنا جاءت الوظيفية، ولقد اهتمت هذه المدرسة بكيفية توافق الفرد مع البيئة أو وظيفة الشعور في توافق الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها، وبالرغم من استخدام أصحاب المدرسة الوظيفية إلي أسلوب الاستبطان إلا أنهم ضمنوا دراساتهم ملاحظات أكثر موضوعية للسلوك، وكان الهدف من استخدام هذا المنهج الجديد هو دراسة العلاقة بين وظائف الشعور والسلوك الذي يلاحظ.

ثالثا: مدرسة التحليل النفسي

          يعتبر سيجمند فرويد الطبيب النمساوي هو المؤسس الحقيقي لهذه المدرسة، وفي حين اهتمت كل من المدرسة البنيوية والوظيفية بدراسة الشعور سواء من حيث التكوين أو البناء والشكل أو الوظيفة، كان فرويد يتحدث ويهتم باللاشعور ويؤكد أهمية الدوافع اللاشعورية في فهم سلوك الإنسان، حيث يرى أن الإنسان أناني ومدفوع بمجموعة من الغرائز الفطرية بعضها شعوري والبعض لاشعوري، ولكنه أعطى الجوانب اللاشعورية الأهمية الكبرى في توجيه سلوك الفرد، ويعطي فرويد دورا كبيرا أيضا للعوامل البيولوجية في توجيه السلوك وتطور الشخصية، ويرى فرويد أن عملية تطور الشخصية عملية مستمرة، وأن السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل هي الأهم في تكوين وتشكيل شخصيته، حيث توضع فيها الأسس الهامة لبناء هذه الشخصية.

          وتتكون الشخصية عند فرويد من ثلاث مكونات أو قوى دائمة الصراع مع بعضها للتحكم في السلوك وهي:

أ-الضمير: وهو الذي يمنع السلوك الغير مرغوب فيه.

ب-الذات المثالية: هي التي تشجع أنواع السلوك المرغوب فيه، وعندما تسيطر الذات ويكون لها التأثير الأكبر في التحكم في القوى الأخرى في الشخصية، فإنه يكون أكثر توافقا وانسجاما مع نفسه والبيئة التي يعيش فيها.

رابعا: مدرسة الجشتالت

          يعد ظهور مدرسة الجشتالت بمثابة احتجاج على المدرسة البنيوية خاصة فيما يتعلق بتحليل الخبرات المعقدة إلي عناصرها البسيطة، ويرى بعض علماء النفس الألمان أن سلوك الكائنات الحية ليس سلبيا، كما يفسرون المثيرات وينظمون إدراكاتهم ثم يعطون المعنى للبيئة التي يعيشون فيها، وتعني كلمة جشتالت الشكل أو الصيغة، وترجع هذه التسمية إلي حقيقة أن المدرك الحسي ليس في عناصره أو الأجزاء التي يتكون منها المدرك، بل وفي الشكل العام أو الصيغة العامة، ويرى المؤيدين لهذه المدرسة أن الخبرات تحمل معها صفة الكلية أو البنية، وأن السلوك لا يمكن رده إلي وحدات صغيرة من المثيرات والاستجابات، وأن السلوك يفقد معناه إذا فتت إلي ترابطات بين المثير والاستجابة، فالسلوك من وجهة نظر الجشتالتية متكامل وغرضي موجه نحو غرض وهدف وغاية.

          ويختلف علم النفس الجشتالتي مع النظرية السلوكية اختلافا كبيراً؛ حيث يرى الجشتالتيون أن التركيز على العادات وسلسلة المثير/الاستجابة يحط من طبيعة الإنسان الراقية الايجابية، ويجعله سلسلة سلبية من ردود الأفعال، كما يرون أيضا أن استجابات الإنسان متداخلة مع بعضها وتدفعه نحو الأهداف  التي يسعى إلي تحقيقها، ويؤكد أصحاب نظرية الجشتالت على العمليات المركزية في المخ كما يعتبرون الجهاز العصبي والمخ كمنظمين ومفسرين لعملية التعلم، كما أن إدراكنا للآخرين يعتمد على مجموعة من الخصائص الوصفية التي تكون هامة ومركزية ولها تأثير كبير في تكوين انطباعاتنا عن الآخرين.

أهم مسلمات مدرسة الجشتالت

1.  رفض فكرة تحليل السلوك ورده إلي مكوناته وعناصره.

2.  إيجابية الكائن الحي، وأنه موجه في سلوكه نحو غرض أو غاية يريد تحقيقها.

3.  تأكيد فكرة المعاني التي يختلقها الناس على الأشياء والكائنات الموجودة في عالمهم، وقد اهتم الجشتالتيون بفهم الإدراك والتفكير ودخل المشكلات.

4.  استخدام الاستبطان غير الشكلي، كما يرون أن علماء السلوك يجب أن يدرسوا الخبرة الشعورية الذاتية للأفراد، كما شجعوا على استخدام الطرق الموضوعية في البحث.

البحث فى المدونة

الأقسام

مقالات أخرى مشابهة

الوسوم

إترك رسالة سريعة