المدونة

النظريات العلمية

إسهامات بن خلدون في علم الاجتماع

2019-07-13 الكاتب : أحمد شوقي مشاهدات : 173 مره

إسهامات بن خلدون في علم الاجتماع

     أصبحت دراسة علم الاجتماع لا غنى عنها للأفراد والجماعات، خصوصاً أولئك الذين يهتمون به أو بأحد موضوعاته المتشعبة وما أكثرها اليوم، ولهذا نرى علم الاجتماع يدرس في كثير من أقسام كليات الآداب، والتربية (الاجتماع _ الفلسفة _ اللغات _ الجغرافيا)، والشريعة، واللغة العربية، وكليات الخدمة الاجتماعية ومعاهدها وفي بعض الكليات العسكرية، وتدرس فروع منه في بعض كليات الهندسة والطب وغير ذلك، واعترافاً من الحكومات بأهميته فقد أقام كثير منها مراكز علمية وإقليمية لكل بحث علمي اجتماعي، ويتناول المقال الحالي بعض من إسهامات بن خلدون في علم الاجتماع.

إسهامات بن خلدون في علم الاجتماع:(1332 – 1406م)

    هو أبو زيد ولي الدين عبد الرحمن محمد بن خلدون، وقد ولد في مدينة تونس، وتوفي في مصر وينتسب إلى أسرة عربية يمنية بحضرموت، وقد تولى الكثير من الأعمال السياسية، واتصل بسلاطين المغرب وإسبانيا رفعته سياسياً حتى وصل وزيراً، وخفضته حيناً حتى سجن، فسئم العمل السياسي واعتزله سبع سنوات، قضى أربع سنوات منها في قلعة ابن سلامة، وفيها كتب مقدمته المشهورة في خمسة أشهر، ثم نقحها وبدأ بكتابة تاريخه، ثم رحل إلى القاهرة وتولى القضاء فيها، وظل بها حتى مات.

 

مقدمة بن خلدون :

     اشتهر بن خلدون بمقدمته التي هي جزء من كتابه الذي ألفه في التاريخ وسماه (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) وينقسم هذا الكتاب إلى مقدمة وثلاث كتب ويمكن أن نصفها كما يلي:

- المقدمة: (في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه، وأسباب أخطاء المؤرخين، بأنهم لم يتمكنوا من التباحث في سمات المجتمعات المختلفة، ولذلك وضع لهم أسس دراسة المجتمعات أو كما سماها (علم العمران) موجهاً النظر إلى ضرورة دراسة المجتمع وما به من وقائع وظواهر اجتماعية، دراسة علمية تحليلية، مع استخلاص ما تخضع له هذه القواعد من قواعد وقوانين.

- الكتاب الأول: يختص بالعمران البشري بالإضافة إلى ما يعترضه من الأسباب التي قد تؤثر فيه.

- الكتاب الثاني: يختص بدراسة الثقافة العربية وممالكهم ودولهم وكافة الأجيال التي عاصرتهم منذ خلق آدم حتى القرن الثامن الهجري.  

- الكتاب الثالث:  في أخبار البربر ومن إليهم وأجيالهم ودولهم.   

    ويطلق على المقدمة والكتاب الأول ما نسميه اليوم باسم (مقدمة ابن خلدون) وهي التي تعنينا لأنها تشمل على آراء ابن خلدون الاجتماعية.

 

 

أسباب تفكيره في نشأة علم العمران :

    لاحظ ابن خلدون أن المؤرخين يقعون في أخطاء كثيرة نتيجة لأسباب متعددة

- تعصب المؤرخ لمذهب معين أو لطائفة معينة من الحكام أو لدولة ما، وهذا التعصب يقوده إلى تسجيل الوقائع التاريخية وفقاً لهوان، ونزعة ميوله الشخصية، وهذا يتنافى مع الحق والعدل.

- أن كثيرا من المؤرخين لا يحكمون العقل والمنطق فيما يصل إليهم أو فيما يسجلونه من أخبار.

- عدم قياس الغائب على الشاهد، بمعنى أن الحوادث الإنسانية تتشابه، فما يكون منها قد حدث في الماضي أو في مجتمع آخر، قد يحدث في الحاضر أو يتكرر في مجتمع ثان، لهذا فإن من واجب المؤرخين أن يقيسوا الأخبار التي يسمعونها على الأحداث التي يشاهدونها، فيتجنبون الوقوع في الخطأ.

- الجهل بالقوانين والنواميس الطبيعية التي يسير عليها الكون، لأن  علمهم بها يجنبهم الوقوع في الكثير من الأخطاء.

- الجهل بالقوانين الاجتماعية أو المبادئ التي يسير عليها العمران البشري، فالعلاقات الإنسانية تسيير وفق قواعد محددة، وليست بطريقة عشوائية أو اعتباطية.

     ولا يلتمس ابن خلدون عذراً للمؤرخين الذين يقعون في الأخطاء الأربعة الأولى لأن من واجبهم أن يكونوا على علم بها، ولكنه يلتمس لهم العذر إذا وقعوا في الخطأ الخامس لأنه ميدان جديد عليهم ولم يكتشفه عالم من قبل، ولهذا فالجهل به مغفور.

 

نشأة علم العمران عند بن خلدون

     يشير ابن خلدون مفصلاً نشأة هذا العلم (فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة، وأن ينظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ويميز ما يلحقه بذاته وبمقتضى طبعه، وما يكون عارضاً لا يعتد به، وما لا يمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا هذا كان لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار والصدق من الكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه).

       ويكمل ابن خلدون ما بدأه شارحاً أن الموضوع الذي هو بصدد الكتابة فيه يعتبر موضوعاً قائماً بذاته حول العمران البشري ويشمل نقاط حول أحوال العمران البشري وما يتواجد به من علوم وضعية وعقلية.

 

أغراض علم العمران:

حدد ابن خلدون أغراض علم العمران بنوعين:

- أغراض مباشرة: وتعرف أيضاً باسم الأغراض النظرية والتي تتعلق بأهمية التعرف على ما في المجتمع من ظواهر وكذلك معرفة ما تخضع له من قوانين.

- أغراض غير مباشرة : وتعرف أيضاً باسم الأغراض العلمية والتي تتعلق باستغلال مزايا علم وقوانين علم الاجتماع وما يؤثر به في التاريخ وتحليل الأخبار والأحداث.

 

       وأخيرا وضح ابن خلدون الطريقة التي تمحص بها الوقائع العمرانية عندما قال (بوجوب البحث بطريقة نظرية عما إذا كانت واقعة من الوقائع ممكنة في ذاتها، وعما إذا كانت غير مناقضة لطبائع العمران، وعما إذا كانت متفقة مع طبائع الزمان والمكان الذين حدثت فيهما). أي أنه دعا إلى الملاحظة، ونقد الظواهر وتعليلها وتحليلها، ودراستها تاريخيا، والوقوف على مبلغ تطورها، ومقارنتها ببعضها وهذه هي الطريقة العلمية السلمية.

    وبذلك يرجع  الفضل إلي بن خلدون في نشأة هذا العلم الجديد، وأنه المنشئ الأول لعلم الاجتماع لأنه أول من استكمل الخصائص المنطقية التي يجب توافرها في كل علم من حيث الموضوع والمنهج والأغراض التي يرمي إليها، وقد كان هو أول من عرض لدراسة هذا الموضوع بهذه الطريقة، فالفضل في إنشاء علم الاجتماع يرجع إليه، لا كما يدعي الإيطاليون الذين ينسبون فضل ذلك إلى (فيكو) ولا كما يدعي الفرنسيون بأن فضل ذلك يعود إلى أوجست كونت وإنما الفضل يعود إلى هذا المفكر العربي المسلم الذي ظهر قبل هؤلاء جميعا بعدة قرون.

 

البحث فى المدونة

الأقسام

مقالات أخرى مشابهة

الوسوم

إترك رسالة سريعة