المدونة

مفاهيم هامة في البحث العلمي

التغير الاجتماعي

2019-07-21 الكاتب : أ/ وائل السديمي مشاهدات : 309 مره

التغير الاجتماعي

    تتصف المجتمعات الإنسانية بوجود التغير الاجتماعي سواء كانت بدائية أو نامية أو متقدمة أو غير ذلك من الصفات، بأنها في تغير دائم، فالتغير الاجتماعي هو سمة الحياة الاجتماعية، وآثاره واضحة في كل شيء حولنا فالنظم الاجتماعية والمعارف والعلوم والعادات والتقاليد، وأنماط السلوك كلها يصيبها التحول والتغير، ومهما حاولت أي قوة أن تبقي تلك الأوضاع على حالها دون أن يصيبها التغير ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ويعتبر التغير الاجتماعي أساس تلك العمليات من التحولات والتطور والتقدم والنمو الذي يحدث في المجتمع وتنظيمه الاجتماعي، وقد يحدث في بناء المجتمع أو في وظائف هذا البناء أو فيهما معاً.

التغير الاجتماعي والتغير الثقافي:

     ينظر بعض المتخصصين للتغير الاجتماعي بناء على أسس البحث العلمي على أنه تغير ثقافي، ويطلق البعض مصطلح التغير الاجتماعي الثقافي على التغير وذلك باعتبار أن الحركة الدافعة لعملية التغير تكون عادة التغير الثقافي بمعنى استحداث سمة ثقافية أو مركب ثقافيين جديدين، وأما لأن التغير الثقافي الكامل قد يطلق سلسلة من التغيرات الاجتماعية بحيث يهيئ كل تغير اجتماعي فيها إلى تغير اجتماعي آخر وهكذا، ويمكن القول بأن التغير الاجتماعي جزء من تغير أوسع وأشمل هو التغير الثقافي، لأن الأول يتضمن تغيراً في بناء المجتمع ووظائفه، أما الثاني فيشمل كل أنواع تغير نظم المجتمع (بناء ووظيفة) وكذلك التغيرات التي تحدث في العلم الفلسفة الفنون الجميلة التكنولوجيا، ويرجع الفضل إلى وليم أوجبرن W.Ogburn   في انتشار مصطلح التغيير الاجتماعي، وتخليصه من المصطلحات الغامضة التي أطلقت عليه ((كالتقدم)) والتطور وغيرهما  عندما نشر كتابه (التغير الاجتماعي).

 

التغير الاجتماعي عند بعض علماء الاجتماع:

     شغل موضوع التغير عقول المفكرين الاجتماعيين القدامى والمحدثين، وإن كان هناك اختلاف كبير بين هؤلاء القدامى والمحدثين سواء في الغرض من دراسة التغير أو في طريقة البحث،  فمن ناحية الغرض كان القدماء يتجهون إلى البحث عن أحسن وسيلة تحقق السعادة، وتقيم مجتمعات مثالية ومدناً فاضلة (أفلاطون-أرسطو-الفارابي) وكانت طريقة هؤلاء القدماء تعتمد على التأمل والخيال الفلسفي، بينما لمحدثون فقد اتجهوا إلى دراسة حقائق التغيير كما هي لا كما يجب أن تكون، لأنهم أدركوا أن التغير لا يسير وفق إرادة الإنسان مهما بلغ من القوة والعزم، وإنما يسير وفقاً لقوانين ثابتة مثل باقي الظواهر، ولكنهم مع ذلك يؤكدون أهمية التدخل لإزالة معوقات التغير، ومن أجل تغيير شكل العلاقات الاجتماعية، واتجه المحدثون في دراستهم إلى الدراسات العلمية الوصفية المنظمة، وسوف نشير إلى آراء بعض العلماء في التغير الاجتماعي.

 

آراء بعض العلماء فيه:                              

- ابن خلدون: يعتبر من أول المفكرين الذين أدركوا حقائق التغير التي تلحق بالمجتمعات عندما حلل حياة البدو والحضر، وكشف عن التغيير الذي يلحق المجتمع البدوي إذا زادت فيه خصائص الحضارة، وحين انتبه إلى أهمية دراسة الظواهر الاجتماعية في حالتي الثبات والتغير.

- أوجست كونت: قسم كونت علم الاجتماع إلى فرعين: فرع يدرس التغير الاجتماعي (الديناميكي) ويدرس الاجتماع الإنساني منن ناحية التطور، وفرع آخر يدرس نظم المجتمع في حالة ثباتها (الاستاتيك) ويهتم بدراسة الاجتماع الإنساني من حيث الاستقرار والثبات.

- كارل ماركس: تتسم نظريته في التغير بالطابع الثوري؛ حيث أكدت أن نظام الإنتاج هو العنصر الأساسي في المجتمع (البناء التحتي) التي تكون (بناءات فوقية)، فكلما تقدم العلم وازداد وجود تقنيات وتكنولوجيا حديثة كلما تواجدت فرص أكبر للإنتاج وهو ما يخلق طبقات تعمل على التزاحم على القيادة الغاشمة أو السلطة من الطبقات الحاكمة الموجودة، وعلى ذلك يرى ماركس أن تاريخ المجتمعات ما هو إلا تاريخ النضال الطبقي.

- ماكس فيبر: اتخذ فيبر من نظرية ماركس نقطة البدء في دراسة للتغير الاجتماعي فذهب إلى أن تطور البرجوازية الغربية تقوم على أساسه النظم الأخرى السياسية والدينية والأسرية ظهور المذهب (الكالفيني) (نسبة للفيلسوف المسيحي حنا كالفين) الذي نادي بأن قدر الإنسان محتوم ولا حيلة له في تغييره)، وذهبت نظرية ماركس إلى أن البرجوازية النامية تحاول باستمرار اغتنام الفرصة المواتية لتراكم رأس المال، وقد قبلها فيبر إلا أنها رأى أن الشروط المادة رغم أهميتها إلا أنها غير كافية، فيجب أن يكون معها أخلاقيات ومعنويات على نحو ما بين في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية).

- أصحاب النظريات التطورية: وهم الذين رأوا أن المجتمعات تمر بأدوار ثورية ارتقائية ويمكن أن نذكر منهم: هربرت سبنسر الذي تصور تطور المجتمع على أنه انتقال من مجتمع بسيط وهو صغير في بنائه ووظائفه إلى مجتمع يتسم بالتباين والاختلافات على نطاق واسع (المجتمع المركب) وصاغ في ذلك نظريته عن التطور فوق العضوي، وكذلك دارون صاحب نظرية (أصل الأنواع) ، ومنهم أيضاً لويس مورجان عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي الذي صاغ نظرية تطورية لنمو الثقافة خلال مراحل ثلاثة هي: مرحلة الوحشية ومرحلة البربرية، ثم مرحلة الحضارة أو المدنية.

 

ملامح وخصائص التغير الاجتماعي

لا يوجد حتى الآن نظرية واحدة أمكن الاتفاق عليها بين المفكرين الاجتماعيين، بل توجد نظريات عديدة تهتم كل منها بمظاهر ونتائج معينة ومحددة للتغير، وتتمثل بعض هذه الخصائص فيما يلي:

- يعتبر التغير الاجتماعي ظاهرة موجودة وتحدث في كل المجتمعات وفي كل الأوقات وفي كل الثقافات بوضوح واستمرار، ولا يمكن إيقاف التغير بأية وسائل.

- يؤثر التغير على الفرد كما يؤثر على نظم المجتمع ومعنى ذلك أنه ليست هناك ناحية واحدة من الحياة بمنأى عن توقع حدوث التغير فيها، وأن أية ناحية من نواحي التغير تؤثر في النواحي الأخرى.

- لا يمكن عزل التغيرات من حيث الزمان والمكان خصوصاً بعد تعدد وسائل الاتصال وتقدمها، لأنها تحدث في سلسلة متعاقبة ومتصلة الحلقات (تغير تلقائي) كما قد تحدث بشكل أقل على شكل تغيرات مقصودة، ومخطط لها تؤدي إلى الإسراع بخطى التغيير، والتحكم في توجيهه مما يؤدي إلى إعادة البناء.

- أن نتائج التغيرات المعاصرة يمكن أن تنشر بسرعة وتنتقل إلى أي مكان مؤثر فيه، وأن أسباب هذه التغيرات متعددة ويصعب رد التغير إلى سبب بعينه.

- يصعب علاج المشكلات الناجمة عن التغيرات الاجتماعية بدون إحداث تغير آخر مقصود.

- يعد حجم التغيرات الاجتماعية المعاصرة سواء أكانت مقصودة أو مخطط لها، أن كانت تلقائية أي تمثل ناتج ترتيب على التجديدات والاختراعات الحديثة، أكبر بكثير من التغيرات التي كانت تحدث من قبل، ولعل نظرة متأنية لحجم وسرعة التغيرات التي حدثت في النصف قرن الأخير، ربما تصل أو تفوق في حجمها وسرعتها أضعاف إنجازات التغيرات التي حدثت عبر عشرات القرون السابقة.

- إن نطاق التكنولوجيا المادية والاستراتيجيات الاجتماعية قد ازداد واتسع وسيظل يزداد ويتسع مفضياً إلى نتائج وآثار تراكمية.

- يوجد عدة مستويات للتغير الاجتماعي فهناك تغير على المستوى الفردي وتغير على المستوى المجتمع المحلي وتغير على مستوى المجتمع القومي، وتغير على المستوى الدولي أو العالمي، ولعل التغير على المستوى الفردي أسهل ملاحظة ودراسة وعلاجاً من المستويات الأخرى.

 

أنواع التغير الاجتماعي:

يمكن أن نميز عدة أنواع للتغير الاجتماعي كالآتي:

- تغير تلقائي: وهو التغير الذي يسير طبيعي دون تدخل لقوي خارجية تسرع بهذا التغير أو تؤخر حركته، ومن أمثلته في حياتنا الاجتماعية التغير الذي طرأ على شكل الأسرة من أسرة كبيرة أو ممتدة إلى أسرة زواجيه.

- التغير الرجعي: وهو التغير الذي يحدث في اتجاه نكوصي فتسوء الحالة وتتدهور ومن أمثلته تدهور حالة الدول التي يصيبها الحرب بالتمزق والتفكك.

- التغير الارتقائي المقصود: وهو تغير إلى الأمام وإلى الأفضل، ويهدف إلى تحقيق أغراض مخطط لها تخطيطاً علمياً، قائماً على الدراسة الموضوعية والبحث العلمي، ومن أمثلته تقدم وارتقاء العلوم والمعارف والتكنولوجيا، فما لا شك فيه أن العلم في تقدم وكل يوم تثبت البحوث والتجارب المزيد من ارتقائه وتقدمه فلو أخذنا جانباً علمياً واحداً كوسائل المواصلات للاحظنا تقدمها.

- التغير الجذري: وهو التغير الذي يتم عن طريق ثورة شاملة تطيح بمعظم النظم القائمة، وتضع بدلاً منها نظماً مستحدثة تمثل إما تقدماً وتحسناً في الأوضاع الاجتماعية وإما تدهوراً ، ويتميز هذا النوع من التغير بالقوة والعنف والسرعة في الإنجاز.

- التغير الغير جذري: قد يكون التغير جزئياً وهو التغير الذي يتناول مجالات معينة تتصل ببعض النواحي السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ويدخل في هذا النوع من التغير التغيرات التي تصيب أوضاع بعض الظواهر الاجتماعية من حيث الدرجة والشدة.

 

البحث فى المدونة

الأقسام

مقالات أخرى مشابهة

الوسوم

إترك رسالة سريعة